السؤال يطرح نفسه كلما نظرت إلى الخليج العربي في لحظة من لحظات التوتر: هل كانت الإمارات هنا من قبل؟ هل مرّت بهذا من قبل؟ الجواب ليس في الدبلوماسية، ولا في الاستراتيجية الحديثة. الجواب مدفونٌ في جزيرة صغيرة قبالة سواحل أبوظبي، منذ خمسة آلاف عام.
ربّان السفينة الذي يشقّ مياه الخليج العربي في فجر هذا العام يعرف شيئاً لا تعرفه معظم قواعد البيانات ولا خوارزميات الاستراتيجية: أن هذه المياه لها ذاكرة. يُحيط بها حرس الحدود الإيراني من الشمال، وطريقه من دبي إلى مطرح في عُمان. يُعدّل مساره كما يفعل دائماً. ليس خوفاً، بل فطنةً — الفطنة ذاتها التي حملها ربابنة قبله بألفَي عام وثلاثة آلاف وأربعة آلاف.
البضاعة تتغير. الأخطار تتبدّل. والمسار الذي يرسمه عبر الماء لا يتغير.
في عام ١٩٥٩، كشفت أعمال التنقيب على جزيرة أم النار قبالة سواحل أبوظبي عن شيء يعيد كتابة ما نعرفه عن هذه المنطقة. لم يجد المنقّبون قبوراً لحضارة معزولة. وجدوا شبكةً.
في تلك المقابر الحجرية الدائرية: نحاسٌ من جبال الحجر العُمانية، وفخّارٌ مصنوعٌ على ضفاف نهر السند — على بُعد أكثر من ألفَي كيلومتر شرقاً — وأحجار كريمة من جوجارات، وأوانٍ من الكلوريت تحمل أسلوباً موجوداً في بلاد ما بين النهرين. كل ذلك في مقابر جزيرة واحدة. كل ذلك من بين عامَي ٢٦٠٠ و٢٠٠٠ قبل الميلاد — قبل اكتمال أهرامات الجيزة.
هذا ليس دليلاً على التجارة فحسب. هذا دليلٌ على أن هذه البقعة كانت المركز. ثلاث حضارات كبرى — ما بين النهرين، ووادي السند، والجزيرة العربية — كانت تتدفق عبر هذه النقطة في وقت واحد. وأبناء هذه الأرض لم يكونوا على هامش العالم القديم. كانوا ملتقاه.
حضارة برونزية في أبوظبي، آثارها تثبت أن هذه الأرض كانت ملتقى ثلاث حضارات كبرى في وقت واحد. النحاس العُماني، والفخار السندي، والمنتجات الرافدينية — كلها في مقابر جزيرة واحدة صغيرة قبالة السواحل.
الاسم الذي أطلقه السومريون على المنطقة التي تضم الإمارات وعُمان اليوم. في النصوص السومرية، يظهر ماجان مراراً — ودائماً بوصفه المصدر. نحاس ماجان لم يكن سلعةً فاخرة. كان بنيةً تحتية. بدونه، لا يصنع مطرقة، ولا سيف، ولا محراث في أكبر إمبراطوريات العالم القديم. لم تكن الإمارات على الهامش. كانت عمود الظهر.
ملحمة جلجامش هي أقدم نص أدبي موجود في تاريخ البشرية. فيها، يبحث ملك شبه إلهي عن الخلود بعد موت صديقه. رحلته تقوده إلى دلمون — أرضٌ وُصفت بالجنة، ومطلع الشمس، والمياه النقية. النصوص السومرية تُسمّي منطقة الخليج — المنطقة التي تشمل الإمارات والبحرين — بوصفها مرجعاً أساسياً في تلك الملحمة.
تفاصيل الموقع الجغرافي لدلمون محلّ نقاش أكاديمي. لكن ما هو غير محلّ نقاش: أن هذه المنطقة كانت راسخةً في وعي العالم القديم حتى دخلت أول قصة كتبها الإنسان. ليست مجرد محطة تجارية. موقعٌ ذو معنى، في الأفق الروحي لحضارات كاملة.
ثلاثة أسماء، ثلاث نوافذ، وحقيقة واحدة بنيوية: هذا الساحل — هذا الخط تحديداً من رأس الخيمة إلى أبوظبي وعُمان — كان الممرّ الإلزامي للعالم القديم. من يتحكم هنا لا يحتاج أن يغزو أحداً. يكفي أن يبقى مفتوحاً.
السومريون تاجروا هنا. تجار السند جاؤوا هنا. الفرس أرادوا هذا الساحل وحاولوا السيطرة عليه، لكن الصحراء لم تكن تمسح الحدود — كانت تصنعها. الساسانيون، ثم البرتغاليون في القرن السادس عشر بمدافعهم ومراسيمهم الاستعمارية، ثم البريطانيون الذين أداروا الساحل المتصالح من على ظهر السفن لقرابة مئة وخمسين عاماً — لم يحكموا الأرض. استأجروا المرور. والأمريكيون اليوم يفعلون الشيء نفسه: قاعدة بحرية في البحرين، حاملات طائرات في المنطقة، لكن الوصول تفاوض عليه، لا يُفرض.
النمط ليس مصادفة. الجغرافيا تكتب السياسة. الخليج طويل وضيق ومحاط بأرض يصعب حكمها. الاقتصاد البحري الذي يسري عبره يتطلب مرونةً موزّعة — موانئ متعددة، تجار من كل مكان، أعلام لا تُحصى — وهذا بطبيعته يقاوم السيطرة المركزية التي تحبها الإمبراطوريات. كل قوة حاولت امتلاك الخليج اكتشفت أنها لا تستطيع سوى استئجار المرور.
هذه الأرض موجودة. يمكنك الوقوف عليها.
معظم من يعيش في الإمارات لم يفعل ذلك قط.
مفترق الطرق لا يختار أحداً. يُحصّل رسوم المرور. وهكذا كان دائماً.
الصمت الإماراتي في مواجهة الحرب بين إيران وإسرائيل — الحياد المدروس، ورفض الانحياز، واستمرار الأعمال في ظل الصراع — ليس براغماتيةً دبلوماسية حديثة التصنيع. هذا ليس موقفاً اخترته أبوظبي في اجتماع مجلس الأمن القومي عام ٢٠٢٤. هذا ردّ فعلٌ عمره خمسة آلاف سنة: ابقَ مفتوحاً، وابقَ نافعاً، ودع الأقوياء يتصارعون حولك.
أهل هذه الأرض لم يتعلموا الحياد في المدارس الدبلوماسية. ورثوه. من جيل رأى الساسانيين يأتون ثم يرحلون، والبرتغاليين يأتون ثم يرحلون، والبريطانيين كذلك. مفترق الطرق لا يراهن على قوة بعينها لأنه يعلم أن كل القوى مؤقتة. التجارة وحدها باقية.
الاستثمار الإماراتي في الذكاء الاصطناعي، وأسابيع التكنولوجيا في دبي في خضم الصراعات الإقليمية — هذا ليس استفزازاً ولا تجاهلاً. هذا ما كانت أم النار تفعله في ٢٦٠٠ قبل الميلاد: التجارة مع وادي السند وبلاد الرافدين في وقت واحد، بصرف النظر عما كان يدور بين تلك الحضارات. المنطق بنيوي. وهو قديم.